محمد بن أحمد الفاسي
61
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وكان لأحمد بن عجلان سيرة مشكورة ومحاسن مذكورة ؛ لأنه كان كثير العدل في الرعية مكرما للتجار ، وسمح لهم بأشياء كثيرة ، فكثر ترددهم إليه ، فأثرى وكثر ماله مما كان يحصل له منهم من الموجبات والهدايا السنية ، وقرر بينه وبينهم ضرائب معروفة في الزكائب والزوامل ، فلم يكن يتعدى ذلك ، وقرر أمورا يسمح لهم بها فيما لا يريدون فيه بيعا من الأزواد والقرطلات وغيرها مما يختص بالتاجر وأتباعه ، فما خالف ذلك . وكان نوابه بجدة معه في أرغد عيش ؛ لأنهم كانوا يكارمون بالإسقاط ويكارمهم بالهدية ، ويعلم بذلك السيد أحمد بن عجلان ، فلا ينالهم منه كبير ضرر ، وإنما يؤدبهم بغرامة لطيفة ، وكان يحسن لبنى عمه ذوى رميثة بأشياء مقررة لهم في كل شهر تقوم بكفايتهم . وذلك فيما قيل غرارتان في كل شهر ، وأربعمائة درهم ، وقيل مائتا درهم ، وقيل ثلاثمائة غير ما يزيدهم على ذلك من منافع يسألونها منه . ولهم عليه رسوم في كل موسم ، كل سنة عشرة آلاف درهم لكل نفر ، يزيد بعضهم سرا على ذلك ، وربما بلغت الزيادة لبعضهم عشرة أخرى . وكان يحسن كثيرا إلى من سواهم من بنى حسن من الأشراف والقواد وعبيده وأتباعه . وما وجد بالإحسان إليهم إلا خيرا ؛ لأنه ملك ما لم يملكه غيره من الخيل والسلاح والعبيد ، وبلغت خيله نحو أربعمائة وعبيده نحو ثمانمائة ، على ما قيل فيهما ، وما تأتى ذلك لمن كان قبله من أمراء مكة المقاربين لعصره ، ويسر اللّه تعالى له عقارا طائلا جدا بوادي مر ، عظم انتفاعه به ، وذلك خيوف « 7 » أحياها ، فملكها من غير شريك فيها ، وهي الأصفير ، والبحرين « 8 » والبثنى والحميمة « 9 » ، وأحيا أيضا
--> ( 7 ) والمفرد خيف : وهو ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل . انظر : النهاية في غريب الحديث والأثر ( خيف ) . ( 8 ) البحرين : هكذا يتلفظ بها في حال الرفع والنصب والجر ولم يسمع على لفظ المرفوع من أحد منهم إلا أن الزمخشري قد حكى أنه بلفظ التثنية فيقولون : هذه البحران . وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان . قيل : هي قصبة هجر ، وقيل : هجر قصبة البحرين وقد عدها قوم من اليمن ، وجعلها آخرون قصبة برأسها وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة وربما عد بعضهم اليمامة من أعمالها . انظر : معجم البلدان ( بحرين ) . ( 9 ) الحميمة : بلد من أرض الشراة من أعمال عمان في أطراف الشام . وأيضا اسم لقرية ببطن مرّ من نواحي مكة بين سروعة والبريراء فيها عين ونخل . انظر : معجم البلدان ( الحميمة ) .